عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

48

اللباب في علوم الكتاب

مشروطا بذلك النهي والتحذير ، فكيف يجعل ذلك الاحتراز منافيا للنهي والتحذير . وثالثها : أن يكون الغرض من النهي والوعيد أن يتأكد قبح ذاك في العقل ، فيكون الغرض منه التأكيد ، ولما حسن من اللّه التنبيه على أنواع الدلائل الدالة على التوحيد بعدما قرّرها في العقول والغرض منه تأكيد العقل بالنقل ، فأي بعد في مثل هذا الغرض هاهنا . ورابعها : قوله تعالى في حق الملائكة : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 29 ] مع أنه - تعالى - أخبر عن عصمتهم في قوله : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ النحل : 50 ] وقال في حق محمد صلى اللّه عليه وسلم : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] . والإجماع على أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك ، وما مال إليه ، وقال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [ الأحزاب : 1 ] وقال : بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ المائدة : 67 ] ، وقوله : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 14 ] . فثبت بما قلنا أنه - عليه الصلاة والسلام - منهي عن ذلك وأن غيره أيضا منهي عنه ؛ لأن النهي عن هذه الأشياء ليس من خواصّ الرسول عليه الصلاة والسلام . بقي أن يقال : فلم خصه بالنهي دون غيره ؟ فنقول فيه وجوه : أحدها : أن كل من كان نعم اللّه عليه أكثر ، كان صدور الذنب منه أقبح ، فكان أولى بالتخصيص . وثانيها : أن مزيد الحبّ يقتضي التخصيص بمزيد التحذير . وثالثها : أن الرجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم ، فزجره عن أمر بحضرة جماعة أولاده ، فإنه يكون منبها بذلك على عظم ذلك الفعل إن ارتكبوه ، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية . القول الثاني : أن قوله : « وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ » ليس المراد منه إن اتبع أهواءهم في كل الأمور ، فلعله - عليه الصلاة والسلام - كان في بعض الأمور يتبع أهواءهم ، مثل ترك المخاشنة في القول والغلظة في الكلام ، طمعا منه - عليه الصلاة والسلام - في استمالتهم ، فنهاه اللّه - تعالى - عن ذلك القدر أيضا ، وآيسه منهم بالكلية على ما قال : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا [ الإسراء : 74 ] . القول الثالث : أن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا أن المراد منه غيره ، وهذا كما أنك إذا عاتبت [ إنسانا أساء عبده إلى عبدك فتقول له : لو فعلت مرة أخرى مثل ] « 1 » هذا الفعل لعاقبتك عليه عقابا شديدا ، فكان الغرض منه زجر العبد .

--> ( 1 ) في أ : بأنني عبد إنسان ، فيقول لسيده : إن فعلت .